الأكثر قراءة مؤخرا

قد يفاجئكم أن تعلموا أنها لا تنتمي لبلدان الشرق الأوسط المنكوبة بالحرب، كما أنها ليست واحدة من الدول الفقيرة التي يتضور سكانها جوعًا، وكذلك ليست دولة في ظل نظام استبدادي قمعي، في الواقع انها ليست موجودة في قارة أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، هذه الدولة هي جرينلاند
إلى أي مدى المشكلة سيئة؟

حسنا، دعنا نكون منصفين تمامًا، إن جرينلاند من الناحية الفنية لا تعتبر دولة، ولا تزال تعتبر جزءًا من دولة الدنمارك، ولكن اعتبارًا من الآونة الأخيرة، أعُلنت جرينلاند دولة مستقلة، مما يعني أنها تعمل كدولة مستقلة في معظم النواحي، ولكن ليس في كل شيء.

ولا تعتبر جرينلاند دولة رسمية، ولهذا السبب فهي ليست على معظم القوائم التي تتعامل مع معدلات الانتحار في العالم، وجيانا هي البلد التي تتصدر هذه القوائم عادة، غير أن الحالة في جرينلاند أكثر خطورة فوفقًا للتقارير التي يرجع تاريخها إلى الفترة من عام 1985 إلى عام 2012 يبلغ متوسط معدل الانتحار في جرينلاند 83 شخصا لكل 000 100 شخص وهو ما يعادل ضعف معدل انتحار الأشخاص في جيانا.

للوهلة الأولى قد تجد نفسك تجتهد من أجل فهم لماذا يدفع سكان جرينلاند بحياتهم الخاصة في كثير من الأحيان، فمعظم الناس يكسبون دخلًا مرتفعًا ويتمتعون بالضمان الإجتماعي، كذلك إنهم لا يواجهون أي تهديد أجنبي فوري ولا يتعارضون مع أي دولة أخرى، ورغم ذلك اعترف نحو 20٪ من سكان جرينلاند بمحاولة الإنتحار مرة واحدة على الأقل، والسؤال هنا من هو المسؤول عن الإنتحار في جرينلاند؟

إدمان الكحوليات: وإذا رجعنا قليلًا بالتاريخ، أعطى الشهير فايكنج إيريك الأحمر- Viking Erik the Red – جرينلاند اسمها، وأراد إقناع المواطنين بالانضمام إليه في مستوطنته الجديدة، ولإقناع المهاجرين اختار اسم متفائل مثل جرينلاند على الرغم من حقيقة أنه لا يوجد شيء أخضر فيها.
ويتراوح متوسط درجة الحرارة خلال الصيف في جرينلاند بين 0 درجة مئوية إلى 10 درجات مئوية. ومن ناحية أخرى، لا يعاني الشتاء إلا من درجات حرارة دون الصفر، جرينلاند هي في الأساس مجرد جزيرة من الجليد.

قد لا تعتقد أن المناخ السئ يكفي لدفع أي شخص للإنتحار، ومع ذلك، فإن ما يمكن أن يدفع الشخص إلى الانتحار يفوق العقلانية والاكتئاب المزمن، وغالبا ما يسببه الإفراط في شرب الكحول، والحقيقة هي أن الناس الذين يعيشون في المناطق الباردة أكثر عرضة لإدمان الكحوليات، حتى في روسيا الإنتحار هي قضية اجتماعية وطنية، على الرغم من أن معدل الإنتحار هناك 17 لكل 100,000 فقط وهو قليل بالنسبة إلى جرينلاند، ومع ذلك حتى في حالة روسيا تم ربط ثمة علاقة واضحة بين عدد المنتحرين وتعاطي الكحول، وتعاطي الكحول مشكلة اجتماعية ضخمة في جرينلاند وهو يعمل كعامل حفاز للعنف المنزلي والاعتداء الجنسي والبطالة، وهو ما يسهم بدوره في انتشار وباء الانتحار في جميع انحاء البلاد.

الأرق: الدائرة القطبية الشمالية هي أدنى خط عرض في نصف الكرة الشمالي يمر يوم شتاء واحد على الأقل دون شروق الشمس و يوم صيفي واحد على الأقل دون غروب الشمس، وكلما ذهبت أعلى الدائرة القطبية الشمالية كلما زادت تلك الأيام هناك كل عام.
وتقع غالبية جرينلاند فوق الدائرة القطبية الشمالية، فمعظمها يشهد فصل الشتاء حيث الظلام حتى خلال النهار، والصيف حيث الشمس لاتترك الأفق أبدا، في أقصى الشمال منها هناك 120 يوما في السنة لا تشرق فيها الشمس أبدًا و 108 يوما في السنة لا تغرب الشمس فيها و137 يوما فقط تشمل على حد سواء الضوء والظلام.

وربما تعتقد أن الناس قد ترغب في الإنتحار خلال فصل الشتاء ولكن من الغريب أن الدراسات أظهرت أن معدلات الانتحار ترتفع خلال فصل الصيف، ويشير الخبراء إلى أن هذا يرجع لأن الناس غير قادرين على الحصول على ليلة نوم جيدة وهم في حالة من الانفعال والاكتئاب المستمر، ومع ذلك فإن كل من هاتين النظريتين – إدمان الكحول والأرق – لا يدخلان ضمن العوامل الهامة جدًا.
حيث لم يكن الإنتحار دائما مشكلة في جرينلاند، ففي الواقع كانت المعدلات منخفضة جدًا خلال عام 1950 ومع ذلك فقد بدأت تضاعف معدلات الإنتحار في عام 1960، وبلغت في نهاية المطاف ثلاثة أضعاف، فالأسباب الطبيعية مثل الظروف الجوية لن تؤدي إلى مثل هذه الزيادة المفاجئة، وبالتأكيد يجب أن يكون هناك المزيد من الأسباب.

الهجرة والاغتراب: تعد جرينلاند هي أقل البلدان اكتظاظًا بالسكان في العالم، على الرغم من كونها أكبر جزيرة في العالم، ويبلغ عدد سكان جرينلاند حاليا 56,400 نسمة، ويعيش 16000 من هؤلاء الناس في العاصمة نوك، أما بقية السكان فيعيشون في بلدات صغيرة بالقرب من العاصمة، أو في قرى معزولة لا يسمعك فيها أحد

ومع ذلك لا يزال هناك العديد من الذين يريدون البقاء، وكان هؤلاء أفراد قبيلة الانويت الفخورين الذين أرادوا الحفاظ على هوياتهم وبيوت أسلافهم، ولكن للأسف لم يكن أمامهم مع مرور الوقت خيار سوى المغادرة، هاجرت الآن قبائل الإنويت التقليدية إلى الجنوب الغربي حيث المراعي الأكثر خضرة، مدن مثل نوك هي في الغالب دانماركية الطبيعة، ولكن مع مرور الوقت وجدوا أنفسهم كارهين هذه الحضارة التي لم يكونوا معتادون عليها، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ معدل الانتحار في الارتفاع.

المصدر