الأكثر قراءة مؤخرا

قد يكون سيجموند فرويد من ضمن السعداء بقراءة هذه المقالة، فطبقًا لنظرياته فإن اللاوعي البشري يتحكم بشكل كبير في أفعاله الواعية. حيث يقول في ذلك: «إن العقل البشري أشبه بالجبل الجليدي، والذي يطفو منه فوق سطح البحر سبع حجمه فقط». وبالطبع فإن الجنس هو أكثر الأمور تأثيرًا في اللاوعي البشري، فلا عجب أن نقرأ مخطوطات عتيقة تخبرنا بأن الإنسان القديم قد قدس الأعضاء الجنسية وعبدها في وقت ما من الزمن. فقد كانت تلك الأعضاء تمثل له الحياة والخلق الذي كان معجزة في نظره وسببًا لاستكمال نوعه وحمايته من الانقراض. قدس البشر الأعضاء الجنسية في كل من الرجل والمرأة، حيث قدسوا القضيب الذكري على اعتبار أنه سبب قذف السائل المسبب للانجاب. وقدسوا في المرأة المهبل الأنثوي والثدي أحيانًا باعتبارها الحاضنة والمرضعة للطفل.

الفراعنة وبداية ظاهرة تقديس الأعضاء الجنسية:- كان المصريون القدماء والفراعنة سبَاقين من حيث تقديس الأعضاء الجنسية، على الرغم من جدلية ما كان يقدسه بالتحديد المصريين، حيث قال بعض المؤرخين أنهم كانوا يقدسون الناتج عن العملية الجنسية وهي الولادة، وكانوا يتخذون الأعضاء الجنسية رمزًا لذلك التقديس فقط. بينما ذهب البعض الآخر لأنهم كانوا يقدسون الأعضاء تحديدًا. كما اختلف المؤرخون في كونهم أول شعب يظهر تلك العبادة والتقديس أم هم حضارات أخرى.
من مظاهر اهتمام المصريين بالأعضاء الجنسية تصويرهم للإله أوزوريس بقضيب منتصب كبير في غير مرة. أظهرت الحضارة المصرية القديمة منحوتات جدارية وتماثيل صغيرة مقدسة للقضيب، مظهرة أشخاصًا قصيري القامة ولكن قضبانهم طويلة للغاية، متخذين ذلك كرمز على خصوبة النيل وبلادهم. كما صوروا آلهة أخرى غير الإله أوزوريس، منهم الإله «مين» الذي كان يمثل إله الخصوبة والذكورة والقوة، كان يظهر واقفًا منتصب القضيب وتعلو رأسه ريشتان، ممسكًا قضيبه بيده اليسرى ورافعًا يده اليمنى. كما عثر في متحف العصور الوسطى في باريس على منحوتة تعود للمصريين القدماء عبارة عن ثلاث قضبان ذكورية تحمل مهبل أنثوي على أكتافها، مما يثبت أن الفراعنة كانوا يقدسون المهبل الأنثوي أيضًا.

الإغريق لم يختلفوا كثيرًا عن الفراعنة:-  كانت القضبان الذكرية رمزًا للخصوبة والوفرة والتناسل عند الإغريق، أي أنها السبب في إنتاج الحياة. وقد ظهر القضيب الذكري في المنحوتات والرسومات الإغريقية في طقوس ديميتر وهرمس وديونيسيوس. كما وصلت الأمور لوجود بعض القضبان الخشبية الضخمة والخصي المحمولة على الأكتاف في الاحتفال بـ«عيد ديونيسيا»، معتقدين أن تلك الطقوس ستمنحهم قدرة أكبر على التناسل. كما ظهر إله المتعة والخمر ديونيسيوس في بعض المنحوتات بقضيب منتصب، كما عُثر في مناطق أخرى خارج نطاق مزار الإله على منحوتات ومجسمات قضبان ومجسمات تحتوي كامل العضو الذكري بالخصيتين مصنوعة من الحجر الأبيض.

الاتصال الحضاري بين الرومان والإغريق:-  كان التفاعل الحضاري بين الرومان والإغريق قويًا حيث تأثرت الحضارة الرومانية بالإغريقية في العديد من الأمور. وكان تقديس الأعضاء الجنسية والقضيب أحد مظاهر هذا التأثر، فكانوا يرسمون القضيب على جدران المعابد ونحتوا له التماثيل. وخصصوا له مهرجانًا يسمى مهرجان الإله باخوس «النسخة الإغريقية لديونيسيوس»، تعبيرًا عن تقديسه. في احتفالات الليبراليا لتعظيم الإله «ليبر» سُمح لأشخاص من الجنسين الذهاب لممارسة بعض الطقوس منها حمل مجسمات خشبية أو معدنية ضخمة على شكل قضيب.
كان يعتقد الرومان أن اعتناقهم لهذه المعتقدات يجلب لهم الحظ والخصوبة ويبعد عنهم الشر والحسد. كما أن القضبان قوة ذكورية يمكنها إبعاد فتنة الفتيات العذارى عن الرجال، حيث إن الفتنة الأنثوية لا يردها سوى قوة ذكورية مثل قوة القضيب. واستكمالًا لمدى تأثر الحضارة الرومانية باليونانية؛ نرى «هرميس» مصورًا بشكل عبارة عن عمود حجري يعلوه رأس الإله هرميس في صورة شيخ له لحية طويلة ويبرز من العمود عضو ذكري منتصب.

لعل أشهر الأمثلة على الآلهة المعبرة عن النماء والخصوبة هو الإله الروماني «بريابوس» وقد صُور في صورة رجل قوي البنيان، وكانت سيرته مرتبطة بالنماء الزراعي في المقام الأول، كما كان يظهر بعضو ذكري ضخم وكبير للغاية، مما يعني عندهم الخصوبة في المحاصيل والحيوانات والبشر. انتشرت عبادة هذا الإله في مصر بعد غزو الإسكندر لها، خاصة في المناطق الزراعية.
خلافًا لذلك فإن تقديس العضو الذكري لم يكن منتشرًا في المعابد وبين الآلهة فقط، بل كانت تلك الطقوس شعبية لحدٍ كبير. حيث كانوا يرسمون القضيب على الجدران كما نرى في جزيرة ديلوس. وكان العضو الذكري يظهر منحوتًا فوق جدران المنازل والمنشآت المختلفة خاصة في مدينتي بومبي وهيركولانيوم في إيطاليا.
اليابان: المثال الحي على هذه الطقوس
في كتابه «قصة الحضارات» (المجلد الأول، الجزء الخامس)، يقول الكاتب ول ديورانت: «كانت العاطفة الدينية عند اليابانيين الأوّلين تجد ما يشبعها في الاعتقاد بأن لكل كائن روحاً، وفي الطوطمية، وفي عبادة الأسلاف وعبادة العلاقة الجنسية».
إن اليابان تعتبر أحد أكبر مراكز العالم الحديث التي مازالت تحتفي بالقضيب الذكري وتقدسه، حيث يوجد بها مركز «تاجا جينجا»، والذي تقام به المهرجانات والاحتفالات، أبرزها مهرجان سنوي يسمى «كانامارا ماتسوري»، والذي هو أشبه بالكرنفال متوافدًا إليه أشخاص من الهند والصين. مظاهر الاحتفال متعددة، فقد تُباع الشموع على شكل القضيب، وتوزع على المشاركين حلوى هلامية ويقدم لهم شراب له لون السائل المنوي، ويسكب لهم من إناء على شكل قضيب ضخم.
يظهر مجسم عملاق على شكل قضيب تمتطيه النساء. ويتنافس المشاركون أن يرفعوا مجسم خشبي لأكبر قضيب. تظهر النساء عاريات في هذا الكرنفال وهن يحملن المجسم القضيبي، كما يظهر بعض الرجال عراة تفاخرًا بأعضائهم التناسلية.
النيبال: عبادة القضيب
هل ترى هذه العبادة سخيفة؟ حسنًا فإن نحو 50 ألف شخص في النيبال لا يوافقون الرأي معك. حيث أنهم لايزالون يقدسون العضو الذكري ويقيمون لذلك الاحتفالات، ويتوعدون من يسخر من شعائرهم بإصابتهم بالعجز الجنسي. تتمثل الطقوس في هذه الاحتفالات بمحاكاة العملية الجنسية من حيث انتصاب القضيب تدريجيًا أثناء ممارسة الجنس، حيث يبدأ بالطرق على مجسم قضيب ثم يجره المشاركون بالسلاسل الضخمة، ويرفعونه تدريجيًا وكأنه في حالة انتصاب، ثم ترتفع الصيحات ويزيد الهتاف. كما يجب أن نشير أن القضيب المستخدم لا يشبه القضيب الذكري الطبيعي تمامًا، بل إنه عبارة عن عصا خشبية مستديرة أشبه بجذع النخلة.
عبادة الفرج الأنثوي:-
لم يكن الذكر فقط محور الاهتمام في الحضارات القديمة من حيث تقديس وعبادة أعضائه التناسلية، بل إن الأنثى كانت مركزًا للاهتمام كذلك. حيث كانت تقدس المرأة باعتبارها الأم وأعضائها التناسلية، فكانوا يقدسون المهبل باعتباره العضو الذي تنشأ منه الحياة الجديدة، كما كان البعض يقدس الثدي أيضًا. ولم تكن تلك الطقوس بسيطة بل كانت تعكس اهتمامات العصر القديم من رغبتهم في تحقيق القوة والانسجام والكمال الروحي.