الأكثر قراءة مؤخرا

بعد إنفصال الجنوب عن الشمال، أصبحت جمهورية السودان أكبر ثالث دولة تتحدث اللغة العربية في المنطقة. كما أنها تحتضن العديد من الإثنيات والثقافات المختلفة. خطفت السودان أنظار وسائل الإعلام خلال الفترة التي شهدت فيها سلسلة من الحروب الأهلية الدامية، جولتين من المواجهات بين الشمال والجنوب خلفت 1.5 مليون قتيل، وصراعٌ متواصل في المنطقة الغربية بدارفور خلَّف أكثر من 200.00 قتيل. الإثنية والهوية، بالإضافة إلى الإعتبارات السياسيَّة، تم إعتبارها الأسباب الرئيسية لاندلاع تلك الحروب، التي تم تقديمها دائمًا على أنها صراعات بين الأفارقة والعرب في وسائل الإعلام.

تشكل قضية الهوية تحديًا جوهريًا لتحقيق السلم. وقد يكون علم الوراثة مهمًا للغاية لتسهيل مسار هذه العمليَّة، تبقى البحوث الوراثية في هذا الشأن ضئيلة للغاية. ومن أجل المضي في أية بحوث في علم الوراثة يجب أن نعرض نظرةً عن الإطار الإثني للبلد. أولًا يجب أن نفهم أن السودان تقسَّم إلى منطقتين رئيسيتين:
1 – المنطقة الشمالية : تضم وادي نهر النيل، وتمتد من وادي حلفا في الشمال، إلى كوستي وسِنار في الجنوب، وكذلك كل المنطقة الشرقية للبلاد. يتجمع حوالي 75% من سكان السودان في هذه المنطقة، على طول وادي النيل خاصةً.
2 – المنطقة الغربية : تضم ولايات كردفان ودافور. يتشكل سكان هذه المنطقة من خليط متنوع بين السكان الأصليين، سكان من إفريقية الغربية وأقليات من العرب ومهاجرين من المناطق الشمالية.
ورغم العلاقة التفاعلية بين سكان المنطقتين الشمالية والغربية، فهم يختلفون بشكلٍ كبير فيما يخص التركيبة السكانية، البنية الإجتماعية والهوية الإثنية. ورغم مشاركة اللغة العربية بين المنطقتين، تبقى لغات وأصول السكان الأصليين مختلفة.
تعتبر السودان جزءًا من العالم العربي الحديث ــ التي يضم شمال إفريقيا، الجزيرة العربية والشام ــ مع إرتباطات ثقافية وتاريخية عميقة مع الجزيرة العربية تعود إلى عصور قديمة. رغم ذلك، تبقى السمات الجسديَّة، الإجتماعية والثقافية للشعب العربي في السودان غير عربيَّة لحد بعيد.

يصعب تحديد متى بدأت التفاعل بين العرب والسوادنيين كذلك، ويُعتقد أن ذلك قد بدأ منذ فجر التاريخ نظرًا لقرب المسافة بين ضفتي البحر الأحمر. من جهة أخرى، علاقة السودان التاريخية بالإسلام تختلف عن الأجزاء الأخرى من العالم العربي. على عكس مناطق العالم العربي الأخرى، لم تخضع السودان أبدًا لحكم الخليفة. لذلك، إنتشار الإسلام والهوية العربية في السودان حدث في وقتٍ متأخر نسبيًا وبطريقة تدريجية. ويصعب تحديد بداية الحقبة الإسلامية ونهاية الحقبة المسيحية في السودان. فالمملكات النوبية المسيحيَّة القوية للسودان لم تقاوم التوسع الإمبريالي العربي-المسلم الذي بدأ سنة 624 فحسب، بل حتَّى أنها تحدت الدولة الإسلامية بغزوها مصر ومطالبتها بالأراضي في مناسباتٍ عديدة. وعند فشلهم في غزو السودان، إتبع العرب وسائل أخرى للتأثير على السودانيين، من بين ذلك التزاوج معهم والهجرة والبعثات السلميَّة للصوفية.

حسب الباحث السوداني المشهور عبد الله الطيب، يمكن تتبع أصول اللغة العربية في اللغة المروية (Meroitic)، حيث وجد العديد من أوجه التشابه. تم قبول فكرة الطيب على نطاق واسع من طرف بع الأكاديميين، إلى جانب النظرية التي تقول أن اللهجات السامية لأرض الحبشة القريبة (إثيوبيا اليوم) هي مركز أصل كل اللغات السامية.
التصنيف العرقي للحاميين يشير إلى المجموعات الإثنية للسكان الأصليين في المناطق الشمالية لشرق إفريقيا، التي لها سلف أو لغة مشتركة. الحاميين هم السكان الأصليون للمناطق السودانية الشمالية. الكوشيين والنوبيين من بعدهم، كانوا من بين أقدم تلك الأمم. الحضارة الكوشية تعتبر حسب المؤرخين من أقدم الحضارات البشرية المتطورة. الهوية الكوشية تبدو وكأنها قد اضمحلت، واندمجت مع الجماعات النوبية والعربية مع حلول القرن السادس عشر. رغم عدم خضوع اللغتين النوبية والكوشية لدراسات معمقة، إلا أنها تبدو كلغات أفرو-آسيوية؛ لكن بعض اللغويين يصنف اللغة النوبية كلغة نيلية-صحراوية.
معظم المجموعات الحامية إختلطت تاريخيًا مع المهاجرين من الجزيرة العربية وشكَّلت سكان المنطقة الشمالية. العربية هي اللغة الأم لمعظم سكان البلد. يتميز سكان المنطقة الشمالية بمجموعة من الخصاص الجسدية، من البشرة السوداء الحامية/الشرق إفريقية، إلى البشرة السمراء المتوسطية.

النوبيون من جهة هم أكبر مجموعة عرقية حامية في السودان، التي لم تختلط مع العرب. ويتوزعون عبر المناطق الشمالية لوادي نهر النيل في السودان. المجموعات الحامية الأخرى تتواجد في المنطقة الشرقية؛ وهذا يتضمن البجا، بنو عامر والحلنقة. احتفظت كل هذه المجموعات بلغاتها وأصلها العرقي أمام الهوية العربية المسيطرة.
يجدر بالذكر أن يهود بيتا إسرائيل (أو يهود الفلاشا)، الذين انحدروا من شعب يهودي قديم، كانوا متواجدين بين السودان وإثيوبيا حتى سنوات الستينات من القرن الماضي. ونظرًا لتغيُّر الحدود بين البلدين ما بين الخمسينات والستينات، تمَّ فصلهم عن السودان، وأصبحوا معروفين اليوم بيهود إثيوبيا.

ثلاثة وجهات نظر تغذي الجدال الأكاديمي حول أصول المناطق الشمالية للسودان : فكرة أنهم جميعهم عرب؛ فكرة أنهم جميعهم أفارقة؛ أم أنهم مزيج من الأفارقة والعرب.
الفكرة التي تقول أن شعب السودان الشمالي كله عربي حصرًا هي الأقدم، حيث تعود إلى نهاية القرن التاسع العشر. حيث قام الباحثون الداعمين للفكرة بتجاهل أو التقليل من دور الشعوب الأصلية غير العربية في المنطقة. تجاوزت تلك الفكرة كل الميزات الفيزيائية الحامية/الشرق إفريقية المنتشرة بشكلٍ واسع في شعوب الشمال السوداني. وثانيًا، فشلت الفكرة في الإعتراف بالعناصر الثقافية الحامية التي يمكن رؤيتها بشكلٍ جلي في التقاليد المحلية، مثال ختان البنات الفرعوني وطقوس الزواج.
وجهة النظر الإفريقية من جهة أخرى، تم طرحها من طرف ناشطين نوبيين مختلفين في خمسينات القرن الماضي، من أجل تقديم السودان على أنها كيان نوبي حصرًا. أنصار هذه الفكرة يقترحون أن تأثير العرب في السودان يقتصر على اللغة والهوية. من خلال هذه الفكرة، يرى العديد من الباحثين الهوية العربية في السودان كنتاجٍ تاريخي لعملية “التعريب”. حيث يطرح الباحث بريندان أوليري (Brendan O’Leary) تساؤلًا في هذا الشأن : “هل النوبيون المعربون عرب؟” في كتابه المعنون “الفيدرالية العراقية وإنفصال السودان”. أما أقصى من تبنى هذه الفكرة فهو الناشط الباقر العفيف (Albagir Al-Afif)، الذي طرح كتابًا بعنوان “خطورة مشروع تدمير الهويات السودانية”، ويقترح أن تبني الهوية العربية قد جعل سكان السودان “منفصلين عن ذاتهم الحقيقية، التي هي نوبية دون شك” ويصف الهوية العربية كـ “هوية إصطناعية”.
أما أنصار آخر الأفكار، التي تقول أن شعوب السودان الشمالية هي مزيج بين العرب والأفارقة، والتي تمت صياغتها في ستينات القرن الماضي من أجل محاولة إحداث الصلح بين العرب والأفارقة في السودان، في تصف السودان بشكلٍ عام “كوعاء انصهار” للأفارقة والعرب (أنظر على سبيل المثال مقال “إنهاء مشكلة الهوية السودانية” للمدون السوداني أمير أحمد، المنشورة في مجلة The Guardian بتاريخ 10 يونيو 2011). وتعاني هذه النظرية عمومًا من مشكلة رئيسية؛ هي الإفراط في تبسيط الأشياء. في حين تقدم النظرية فكرة وعاء الإنصهار، فهي تتجاوز كل الحواجز العرقية، اللغوية والسكانية التي تفصل بين الشعوب في المنطقة. على شبيل المثال، المجموعتين العرقيتين، النوبيون وشعب الفور (لمنطقة دارفور) تتباين في كل نقطة من النقاط المشار إليها.

رغم ذلك، كل نظرية من النظريات الثلاثة تحتوي على جزءٍ من الحقيقة، لم تملكها النظرية الأخرى. النظرية العربية تشير إلى وجود أصول النسب من الجزيرة العربية. النظرية الإفريقية تؤكد على وجود العناصر الحامية الثقافية والسلالية. في حين، ورغم الطبيعة البسيطة للنظيرة الإفريقية-العربية، فهي تمنح أرضية إتفاق مشتركة يمكن بناء نظرية جديدة عليها.

علم الوراثة وعلم الإنسان :
البحوث الإنسانية التقليدية في السودان قامت أساسًا على المقاربة العرقية التي إعتمدت على تحليل الهياكل العظمية، وركزت بشكلٍ خاص على الشعب النوبي. الفرضية الشائعة تقترح أن “النوبيون الحاليون هم نتيجة الإختراق الواسع من الجينات القوقازية للجينات الزنجية الإفريقية خلال الـ 14.000 سنة السابقة،” كما أشار إليه الباحث دينيس فان جيرفن (Dennis van Gerven). حيث يقول الأخير أن البحث يشرح وجود “مجموعتين قاعدتين (الزنوج والقوقازيين) قد سكنتا إفريقيا في وقتٍ متقدم للغاية قبل التاريخ، وأن أية إنحرافات بيولوجية أو/و ثقافية من المجموعتين تشكل مزيجًا، أو تهجينًا للإثنتين.” رغم أن هذه النظرية قد عفى عليها الزمن، نظرًا لطبيعتها النظرية وغير الجديرة بالثقة، فقد أثرت بشكلٍ كبير على البحوث الحديثة.
رغم وجود بعض الدراسات الجينية المقارنية التي تضمنت السودان، فهي لم تكن مصممة لفهم وبحث طبيعة الشعوب السودانية. في هذا الشأن، نجد الدراسة التي خرجت بنتيجة أنه “الشعوب الساكنة في شمال السودان قد أظهرت تشابهًا جينيًا مع شمال إفريقيا، مع ما قد يبدو كآثارٍ للشمال إفريقيين قبل هجرة العرب من الجزيرة العربية،” والتي نشرها بيجونا دوبون (Begoña Dobon) في مجلة Nature بتاريخ 28 مايو 2015 تحت عنوان “أصول شعوب شرق إفريقيا : المكون النيلي-الصحراوي في المظهر الجيني الإفريقي”. دراسة أخرى مع تحليل أقل حسمًا، إقترحت وجود علاقات جينية بين النوبيين والمصريين، منشورة بتاريخ 4 مايو 2011 في Investigative Genetics من طرف هبة بابكر تحت عنوان “الإختلافات الجينية والبنية السكانية لشعوب السودان.”

خاتمة :
الحروب والصراعات في السودان تُنسب عامةً إلى صراع بين الإختلافات العرقية والهوية الوطنية. من ذلك، علوم الوراثة قد تكون مهمة للغاية من أجل تسهيل النقاش في هذا الموضوع بطريقة موضوعية. البحوث الفيزيائية الإنسانية في السودان محدودة عامةً على تحليل الهياكل العظمية، الطبيعة العرقية وبعض البحوث الجينية التي لا تركز على السودان. الدراسة الجينية المقترحة لها القدرة على أن تكون الأولى التي تمنح إيضاءات علمية موضوعية على البنية السكانية للسودان والتمازج فيما بينها. دراسة كتلك، قد تتم بعد الحصول على فهمٍ صحيح للبنية العرقية والتاريخية للسكان الموجودين حاليًا، في كل البلد. تمثل المنطقة الشمالية مركز النشاطات البشرية وتضم أكبر الكثافات السكانية في السودان؛ ومن ذلك، يجب أن تركز الدراسة الجينية المقترحة على تلك المنطقة.