الأكثر قراءة مؤخرا

المستقبل المظلم للـ نفط العربي : ماذا سوف يحدث اذا توقفت الولايات المتحدة عن استيراد النفط العربي


لو نظرت إلى شمال الكرة الأرضية حيث تقع أهم قاعدة بحرية أمريكية في الساحل الغربي، ستُلاحظ أن مدخل الخليج الفارسي/العربي يقع في الجانب الآخر من العالم، الخليج بعيد جدًا لدرجة لم يكن للأمريكيين أي سبب يدعوهم لزيارة المنطقة ذات الكثافة السكانية المنخفضة قبل الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن إقامة قواعد عسكرية دائمة هناك.

ولكن بعد نهاية الحرب، ارتفع الطلب العالمي على النفط بشكل كبير، بينما استنفدت أمريكا معظم احتياطاتها النفطية سهلة الاستغلال. ومع دخول شركات البترول الأمريكية سباق البحث العالمي عن النفط، أتى الجيولوجيون باعتقادٍ مفاده أن ثلثي احتياطات العالم النفطية القابلة للاستغلال وثلث الغاز الطبيعي يقع تحت مجموعة من الدول المجاورة للخليج الفارسي/العربي. ونتيجة لذلك، أصبح أمن دول الخليج النفطية مصدر اهتمام دائم للمُخططين العسكريين الأمريكيين.

إلا أن ذلك قد يتغير الآن. إذ تشير أحدث التوقعات لوكالة الطاقة الدولية أن أمريكا ستتفوق على المملكة العربية السعودية كأكبر منتج للنفط في عام ٢٠٢٠ وستصبح مكتفية ذاتيًا من الطاقة بحلول عام ٢٠٣٠. إذ قللت تقنيات الحفر الحديثة والوقود البديل وانخفاض الاستهلاك الحاجة إلى استيراد النفط. قد تواصل الولايات المتحدة استيراد النفط من كندا وفنزويلا والبلدان القريبة الأخرى لو كانت الأسعار تنافسية. تُشير توقعات وكالة الطاقة الدولية ايضًا إلى أن الدول الآسيوية ستستهلك قرابة 90% من النفط المنتج في منطقة الخليج الفارسي\العربي.

ستكون هذه الأخبار جيدة لأمريكا بالطبع لكنها ستحمل تبعاتٍ سيئة على باقي دول العالم. لو انتفت حاجة الولايات المتحدة لنفط الشرق الأوسط تحت أي ظروفٍ متوقعة، فإن أولوية المنطقة بالنسبة لواشنطن ستنخفض. يعتقد الكثير من المحللين بأن هيكل التسعير العالمي الموحد للوقود الأحفوري سيبقي أمريكا مُشاركة، ولكن مع أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي التي تبلغ حاليًا جزء سعره في أوروبا وشرق آسيا، لا يبدو أن هيكل التسعير العالمي مُترابط إلى حد الكمال.

وحتى لو كان كذلك، تتضاعف خيارات واشنطن في عزل أسواق الطاقة الأمريكية عن تقلبات الأسعار العالمية مع نمو الإنتاج المحلي. لو كنت مطلعًا على التاريخ العالمي للنفط في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، ستدرك أن لا شيء جديد حول تمتع أمريكا بالاستقلال في مجال الطاقة، على العكس من آسيا التي تقلق حول احتياجاتها. سيكون الخبر الجديد بالتأكيد هو عدم وجود أي دولة غربية قادرة أو راغبة في حماية الخليج الفارسي\العربي في المستقبل القريب.

حملت بريطانيا هذا العبء منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى الحرب العالمية الثانية، ولكن تضاءلت ظروفها في أعقاب الحرب حتى ما لبثت أن أخلت كل قواعدها العسكرية في (شرق السويس.) وبتراجع بريطانيا في الشرق الأوسط، إزداد الدور الأمريكي هناك (خصوصًا بعد أزمات الطاقة المتتالية التي خطط لها أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط والتي نبهت واشنطن إلى اعتمادها المتزايد على النفط الأجنبي.) حتى اعتاد البنتاغون على تأمين النفط المار من خلال مضيق هرمز، والحفاظ على الوجود البحري المُستمر في منطقة الخليج وحولها وإنزال قواتٍ أرضية بشكلٍ دوري لحماية الدول المُنتجة للنفط الضعيفة.

إلا أن لا شيء يدوم إلى الأبد، قد يدفع الاستقلال في مجال الطاقة والضرورة الاقتصادية بواشنطن إلى الانعزال أكثر، كما فعلت لندن تمامًا بعد الحرب. مع قلة الحاجة إلى النفط الأجنبي والإلحاح في طلبات كبح جماح الاقتراض الإتحادي، لست بحاجةٍ إلى عبقريةٍ مُفرطة لتستنتج أين سيميل النظام السياسي لخفض الإنفاق. سيحدث ذلك في الأماكن البعيدة التي لم تعد ذات تأثير على مجرى الانتخابات.

ومع احتمالية حدوث نقص في الطاقة بسبب أوبك، في الولايات المتحدة على الأقل، فأن القادة السياسيون سيطرحون بالتأكيد تساؤلاتهم حول لماذا تتحمل بحرية الولايات المتحدة عبء ضمان امتلاك الصين مصادر آمنة للنفط. من غير المحتمل أن تلقى الإجابات التي سيحصلون عليها من المخططين الاستراتيجيين للبنتاغون استحسانًا في بلدٍ يتباطأ فيه النمو الاقتصادي إلى حد الزحف بسبب النزعة التجارية الصينية.

لذا يوجد احتمال حقيقي بأن واشنطن ستفعل كما فعلت لندن بانسحابها من شرق السويس في الستينيات. قد يبدو الموقف العسكري لإدارة أوباما في آسيا والمحيط الهادئ من أولى العلامات المبدئية التي تشير إلى خسارة الولايات المتحدة حماسها في تأمين إمدادات النفط في الشرق الأوسط. بالتأكيد، سيرفض كل من في الإدارة هذا التفسير بشدة. ولكن فقط للمرح، دعنا نسأل سؤالًا حول من سيفوز ومن سيخسر في حال قررت أمريكا أنها أكتفت من كونها الشرطي الحارس للخليج الفارسي\العربي.

الخاسرون الأكبر هم الدول النفطية العربية المتمثلة في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي في معظمها ممالك تحفظ السلطة اعتمادً على إيراداتها من النفط والقوة العسكرية الأمريكية التي تدعمها. فعلى الرغم من العائدات النفطية، لن تمتلك هذه البلدان (عدا المملكة العربية السعودية) الإمكانيات الكافية للدفاع عن أنفسها ضد الضغط العسكري الإيراني لو انسحبت الولايات المتحدة، أو حتى من العراق، الذي يطالب بشكلٍ متكرر بحقول نفط في الكويت ودول أخرى مجاورة. سيؤدي الفراغ الذي سيخلقه انسحاب الولايات المتحدة بدولٍ مثل البحرين وقطر إلى طلب حُماة عسكريين جُدد، إما عن طريق الخضوع إلى نفوذ القوى الإقليمية الكُبرى أو بالتحالف مع الصين.

أما الفئة الثانية الخاسرة فهي اقتصادات شرق آسيا، إذ تؤكد منظمة الطاقة الدولية أنها ستكون المستهلك الرئيسي للنفط المنتج في الخليج الفارسي\العربي للسنوات المُقبلة. تعتمد الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان اعتمادً كبيرًا على النفط المتدفق عبر مضيق هرمز، وعليهم القيام بما يضمن عدم تأثر هذا التدفق بالتوترات المحلية. إذا ما انسحبت أمريكا من الخليج، سيكون على دول شرق آسيا أما أن تلعب دورًا عسكريًا أكبر في الشرق الأوسط، أو إيجاد مصادر أخرى للنفط. قد تمتلك الولايات المتحدة ما يكفي من الاحتياطيات الجديدة من الوقود الأحفوري لتجهيز اليابان وكوريا الجنوبية عند الضرورة، ولكن سيزيد القلق بشأن الحصول على نفط الخليج الفارسي\العربي التوترات بشأن أحقية امتلاك احتياطيات نفطية متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي ومناطق أخرى.

من المرجح أن تكون إسرائيل ايضًا خاسرًا أكبر. تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات كل سنة لدعم أمن الدولة اليهودية. والسبب في ذلك ليس محل جدل على الرغم من النية المعتادة للأمريكان في خصم المساعدات الخارجية عن الإنفاق الفدرالي، إذ من الصعب فصل تأمين إسرائيل عن تأمين نفط الشرق الأوسط. نفس القوات العسكرية والبرامج الأمريكية التي ساهمت بحفظ أمن إسرائيل من الصواريخ الإيرانية والمجاميع المسلحة تستخدم في حماية الدول العربية المنتجة للنفط. ولكن إذا اختفى الدور الأمريكي في تأمين النفط، سيكون من الصعب تجاهل تكلفة الدفاع عن إسرائيل، وهذا سيجبر إسرائيل على أن تكون أكثر اعتمادً ذاتيًا.

سيكون هناك الكثير من الخاسرين ايضًا، من الدول التي تعتمد على تدفق مستمر لنفط الشرق الأوسط لضمان الاستقرار في أسعار الطاقة العالمية إلى شركات الشحن التي تعتمد على (الأسطول الخامس) في حمايتها إلى الشركات المحلية التي تساعد في الحفاظ على القوات الأمريكية في المنطقة. ومما لا شك فيه، سيتضرر الكثير من اللاعبين المعتمدين على الوجود العسكري الأمريكي داخل وحول الخليج الفارسي\العربي لو قررت أمريكا الإنسحاب. ولكن قد يكون هناك رابحون ايضًا.

ستكون إيران الرابح الأكبر، لإنها لن تجد بعد الآن ردعًا امريكيًا لطموحاتها الإقليمية في المنطقة. قد يجعل التعداد السكاني الكبير والموارد الاقتصادية إيران قادرة على الهيمنة على المنطقة بمرور الزمن، رغم الاختلافات العرقية والدينية التي تفصل العرب عن جيرانهم الفرس في الجزء الغربي من الخليج. وقد تزدهر الجماعات الإرهابية المحلية ايضًا مع الغياب الأمريكي، على الرغم من أن الحكومات العربية ستشعر براحةٍ أكبر في التعامل معهم في ظل غياب المفاهيم الأمريكية حول الحرية والعدالة. قد يكون الفائز الأكبر من ذلك كله هو (جيش التحرير الشعبي الصيني،) الذي سيمتلك سبب مقنع لتوسيع نفوذه خارج منطقة شرق آسيا لتأمين أهم مصادر نفط أجنبية لبلده.

إذن، لو قرأت معي بالتفصيل كل ما ذكرته، قد يخطر على بالك الآتي: «يا رباه، سيرافق هذا الاستقلال بالتأكيد الكثير من الاحتمالات السلبية.» أنت محق بالطبع (في حال أصبح عذرًا لسحب القوة المشتركة من الخليج الفارسي\العربي.) ولكن هذا لا يعني أنه لن يحدث، لأن على الرغم من كل الجوانب السلبية المحتملة، سيستفيد دافعوا الضرائب الأمريكيين الكثير عندما تنخفض التزامات الأمن الأمريكي في الشرق الأوسط، لو صاحب ذلك اكتفاء حقيقي من الطاقة. ما مقدار استفادتهم؟ 100 مليار دولار محتملة أو أكثر كمدخرات ميزانية سنوية مع تقليص الجيش إلى دور محدود على الجانب البعيد من العالم.

لو بدا ذلك خياليًا، اقرأ ما تقوله وكالة الطاقة الدولية حول المستقبل المتسارع للطاقة في الولايات المتحدة (وعليك تذكر أن السبب الرئيسي الذي جعل الوجود العسكري الأمريكي يظهر في الشرق الأوسط هو الحاجة لنفط الخليج الفارسي\العربي، بعدما لم يكن للولايات المتحدة أي دورٍ هناك تقريبًا خلال أول قرنين من تاريخ تأسيس الجمهورية.)


إعداد: أحمد السراي

المصدر 

أحمد السراي

أحمد السراي

أُحبُّ الترجمة وإعداد المُحتوى وتعلُّم اللُغات. أثقُ بالعلم وأُصدقه وأعتبرهُ سبيلُ تقدُّم الإنسانية.

الاطلاع على جميع المقالات